ابن كثير

315

البداية والنهاية

عنه ، ثم استقل بها ولده ثم حفيده هذا ، وكان شكلا مليحا . قال قطب الدين اليونيني : رأيته في بعلبك في سنة ثمان وخمسين وستمائة حين جاء مسلما على كتبغانوين ، ورام أن يطلب منه بعلبك ، فشق ذلك على المسلمين . ولما توفي دفن في كنيسة طرابلس ، ولما فتحها المسلمون في سنة ثمان وثمانين وستمائة نبش الناس قبره وأخرجوه منه وألقوا عظامه على المزابل للكلاب . ثم دخلت سنة أربع وسبعين وستمائة لما كان يوم الخميس ثامن جمادى الأولى ( 1 ) نزل التتار على البيرة في ثلاثين ألف مقاتل ، خمسة عشر ألفا من المغول ، وخمسة عشر ألفا من الروم ، والمقدم على الجميع البرواناه بأمر أبغا ملك التتار ومعهم جيش الموصل وجيش ماردين والأكراد ، ونصبوا عليها ثلاثة وعشرين منجنيقا ، فخرج أهل البيرة في الليل فكبسوا عسكر التتار وأحرقوا المنجنيقات ونهبوا شيئا كثيرا ، ورجعوا إلى بيوتهم سالمين ، فأقام عليها الجيش مدة إلى تاسع ( 2 ) عشر الشهر المذكور ، ثم رجعوا عنها بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا . ولما بلغ السلطان نزول التتار على البيرة أنفق في الجيش ستمائة ألف دينار ، ثم ركب سريعا وفي صحبته ولده السعيد ، فلما كان في أثناء الطريق بلغه رحيل التتار عنها فعاد إلى دمشق ، ثم ركب في رجب إلى القاهرة فدخلها في ثامن عشر فوجد بها خمسة وعشرين رسولا من جهة ملوك الأرض ينتظرونه فتلقوه وحدثوه وقبلوا الأرض بين يديه ودخل القلعة في أبهة عظيمة . ولما عاد البرواناه إلى بلاد الروم حلف الامراء الكبار منهم شرف الدين مسعود وضياء الدين محمود ابنا الخطيري ، وأمين الدين ميكائيل ، وحسام الدين ميجار ، وولده بهاء الدين ، على أن يكونوا من جهة السلطان الملك الظاهر وينابذوا أبغا ، فحلفوا له على ذلك ، وكتب إلى الظاهر بذلك ، وأن يرسل إليه جيشا ويحمل له ما كان يحمله إلى التتار ، ويكون غياث الدين كنجري على ما هو عليه ، يجلس على تخت مملكة الروم . وفي هذه السنة استسقى أهل بغداد ثلاثة أيام فلم يسقوا . وفيها في رمضان منها وجد رجل وامرأة في نهار رمضان على فاحشة الزنا ، فأمر علاء الدين صاحب الديوان برجمهما فرجما ، ولم يرجم ببغداد قبلهما قط أحد منذ بنيت . وهذا غريب جدا . وفيها استسقى أهل دمشق أيضا مرتين . في أواخر رجب وأوائل شعبان - وكان ذلك في آخر كانون الثاني - فلم يسقوا أيضا . وفيها أرسل السلطان جيشا إلى دنقلة فكسر جيش السودان وقتلوا منهم خلقا وأسروا شيئا كثيرا من السودان بحيث بيع الرقيق الرأس منها بثلاثة دراهم ، ورهب ملكهم داوداه إلى صاحب النوبة

--> ( 1 ) في تاريخ الملك الظاهر 2 / 110 : الآخرة . ( 2 ) في ذيل مرآة الزمان 3 / 115 وتاريخ الملك الظاهر 2 / 112 : يوم السبت السابع عشر .